سيد محمد طنطاوي

33

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الذين يعلمون تأويله ، وروى عن مجاهد أنه قال والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به . وفي الحديث أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم دعا لابن عباس فقال : « اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل » . والذي نراه أنه إذا فسر المتشابه بما استأثر اللَّه - تعالى - بعلمه كقيام الساعة وحقيقة الروح ، كان الوقف على لفظ الجلالة وكانت الواو في قوله * ( والرَّاسِخُونَ ) * للاستئناف ، والراسخون مبتدأ وجملة « يقولون » خبر عنه . أي والراسخون في العلم يقولون آمنا به ويفوضون علمه إليه - سبحانه - ولا يقتحمون أسواره ، كأهل الزيغ والضلال الذين أولوه تأويلا فاسدا . . وإذا فسر المتشابه بما لا يتبين معناه إلا بعد نظر دقيق بحيث يتناول المجمل ونحوه كان الوقف على لفظ العلم ، وكانت الواو في قوله * ( والرَّاسِخُونَ ) * للعطف . أي : لا يعلم تأويل المتشابه تأويلا حقا سليما إلا اللَّه والراسخون في العلم أما أولئك الذين في قلوبهم زيغ فهم أبعد ما يكونون عن ذلك . ويجوز الوقف على هذا الرأي أيضا على لفظ الجلالة لأنه لا يعلم تأويل هذا المتشابه علما كاملا إلا اللَّه . أولا يعلم كنهه وحقيقته أحد سواه . وإذا فسر المتشابه بما قام الدليل القاطع على أن ظاهره غير مراد . مع عدم قيام الدليل على تعيينه ، كمتشابه الصفات أو ما يسمى بآيات الصفات مثل قوله - تعالى - الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى . جاز الوقف والعطف عند من يؤولون هذه الصفات تأويلا يليق بذاته - تعالى - وهم جمهور علماء الخلف ووجب الوقف على لفظ الجلالة عند من يفوض معاني هذه المتشابهات إلى اللَّه - تعالى - مع تنزيهه عن ظواهرها المستحيلة وهم جمهور علماء السلف وهذه المسألة من المسائل التي أفاض القول فيها الباحثون في علم الكلام . هذا وقد ذكر العلماء حكما متعددة لاشتمال القرآن على المحكم والمتشابه ، منها : الابتلاء والاختبار ، لأن الراسخين في العلم سيؤمنون به وإن لم يعرفوا تأويله ، ويخضعون لسلطان الربوبية ، ويقرون بالعجز والقصور ، وفي ذلك غاية التربية ونهاية المصلحة . وأما الذين في قلوبهم زيغ فيؤولونه تأويلا باطلا طلبا لإضلال الناس وتشكيكهم في دينهم . ومنها : رحمة اللَّه بهذا الإنسان الضعيف الذي لا يطيق معرفة كل شيء . فقد أخفى - سبحانه - على الناس معرفة وقت قيام الساعة لكيلا يتكاسلوا ويقعدوا عن الاستعداد لها ،